هل سبق لك أن سمعت هذه الجملة: «الفلوس تغيّر النفوس»؟
نقولها ونحن ننظر إلى شخص ازداد غنى فأصبح متعالياً، أو إلى آخر حقق ثراءً فجأة فتبدّلت أخلاقه. نُلقي باللوم على الفلوس وكأنها ساحر شرير يمسك بعصاه السحرية فيحوّل الإنسان الطيب إلى وحش.
لكنني أريد أن أوقفك هنا، وأطرح عليك سؤالاً مختلفاً: ماذا لو لم تكن الفلوس هي التي «تغيّر» النفوس؟ ماذا لو كانت، فقط، هي الضوء الذي نسلّطه فجأة على غرفة مظلمة كنا نجلس فيها منذ سنوات؟
تخيّل معي أنك تجلس في غرفتك المألوفة في الظلام الدامس. تعرف مكان الكرسي، وتتذكّر موقع الطاولة. ثم، فجأة، تضغط على مفتاح الكهرباء. ينير الضوء كل شيء. هل خلق الضوء الفوضى على طاولتك؟ هل صنع الغبار الذي تراكم في الزاوية؟ هل أوجد تلك الصورة المعلّقة بشكل مائل على الحائط؟
بالطبع لا. كل هذا كان موجوداً من قبل. الضوء فقط كشفه. جعله مرئياً.
هذه هي علاقتنا الحقيقية بالفلوس. إنها ليست ساحراً، إنها كاشف. الفلوس ليست السبب بل الكاشف. ليست السبب، بل المجهر. واليوم، دعنا نجلس معاً ونتأمّل ماذا يكشف هذا المجهر في دواخلنا، لأن الفلوس كمجهر للنفس يرينا ما لا نراه في الظلام.
الفلوس كمرآة داخلية: ماذا ترى عندما تنظر؟
لنتحدّث بصراحة. نحن نتعامل مع الفلوس وكأنها شيء «خارجي». عملة نعدّها، رصيد نتحقّقه، سلعة نتبادلها. لكن الحقيقة الأعمق هي أن علاقتك بالمال هي علاقتك بنفسك، وهي في جوهرها صورة معلّقة عن تلك العلاقة.
هل ترى في الفلوس «سوراً» يحميك من العالم؟ هذا قد يكشف خوفاً عميقاً داخلك. خوفاً من الفقد، من المجهول، من أن تكون عُرضةً للريح. الفلوس هنا ليست إلا الإسمنت الذي تبني به هذا السور. لكن الدافع كان الخوف.
هل تراها «مكبّراً للصوت» يجعلك مسموعاً ومرئياً؟ قد يكون هذا انعكاساً لشعور خفي بعدم القيمة، أو رغبة دفينة في أن تثبت للآخرين – أو لنفسك – أنك مهم. الفلوس تصبح الوسيلة، لكن الجرح كان موجوداً.
أم أنك تراها «أداة» بسيطة لتحقيق حرية، أو راحة، أو فرصة لمساعدة من حولك؟ هنا، تكشف الفلوس عن نفسٍ واثقةٍ إلى حدٍّ ما، تعرف قيمتها من الداخل، ولا تحتاج للفلوس لتأكيدها. تجدها مرتاحة مع الفلوس لأنها خادمتها، لا سيدتها.
الفلوس لا تزرع فيك الجشع أو الكرم. هي فقط تسقي البذور الموجودة أصلاً.
فإن كانت بذور الخوف مزروعة، سينمو شجر الهوس والاحتكار. وإن كانت بذور الامتنان موجودة، سينمو شجر العطاء والسلام.
(توقّف قصير للتفكير) خذ نفساً عميقاً وفكّر: عندما تحلم بالثراء، ماذا بالضبط تحلم أن يمنحك إياه؟ الأمان؟ الاحترام؟ الراحة؟ الإجابات ليست عن الفلوس، بل عن نقائصك أو تطلّعاتك النفسية. الفلوس هي مجرد اللغة التي تعبّر بها عنها.
اختبار الوفرة: عندما تتحوّل الأمنيات إلى واقع
لطالما ظننت أن المشكلة هي في «عدم وجود المال». لكن الأصعب هو عندما تتحوّل تلك الأمنيات إلى رصيد حقيقي في حسابك. الوفرة اختبار صامت وقاسٍ.
هنا يظهر من كان يتظاهر بالتواضع: فيغرق في البذخ، ويبدأ بالحديث عن «مستوى المعيشة» الذي يجب أن يحافظ عليه، وكأن العالم كله يراقب إنفاقه (وهو وهم جميل نصنعه لأنفسنا).
وهنا يظهر من كان يكبت رغبته في العطاء: فيتحوّل فجأة إلى شخص كريم، لا لأنه يريد المظاهر، بل لأن القلب الذي كان يخاف من العطاء وهو فقير، يشعر بالأمان وهو غني فيفيض.
وهنا أيضاً يظهر الصراع الأخلاقي الخفي: هل ستستثمر هذه الأموال في مشروع ربحي بحت حتى لو كان غير أخلاقي بعض الشيء؟ «الجميع يفعلها»، ستقول لنفسك. المال لم يخلق التبرير، بل أعطاك القدرة على استخدام التبرير الذي كان كامناً في ذهنك طوال الوقت.
الغنى لا يصنع طبيعة الإنسان. إنه يمنحه المساحة والموارد ليكون نسخةً مكبّرةً مما هو عليه حقاً. لذلك، أخشى على الشخص الذي يحلم بالمال لينقذه من نفسه. فسيكتشف أن المال جلب معه نفسه… ولكن في قصر أكبر.
اختبار الفقد: اللحظة التي تُعرّي الروح
إذا كانت الوفرة اختباراً، فإن الفقد هو المشرط، لأن الفقد يعرّي الروح بشكل كامل. عندما يُسحب منك المال – سواء بخسارة، أو أزمة، أو قرار خاطئ – تسقط كل الأقنعة في ثوانٍ.
ينكشف مصدر كرامتك الحقيقي: هل كانت مربوطة برقم في البنك؟ ستشعر أنك انكمشت، أنك أصبحت أقل قيمة. أم أنها كانت نابعة من داخلك؟ ستقول: «حسناً، لقد خسرت المال، لكنني ما زلت أنا».
ينكشف معنى «الأمان» الذي كنت تعتقده: تكتشف أن الأمان الحقيقي لم يكن في الحساب الجانبي، بل في مرونتك، في مهاراتك، في علاقاتك الصادقة، في قدرتك على البدء من جديد. ينكشف الفرق بين «الرغبة» و«الحاجة»: تتهاوى كل الرغبات الترفيهية التي ظننتها ضرورية، وتبقى الحاجات الإنسانية الأساسية: مأوى، طعام، صحة، وحب من حولك.
مررت بلحظات ضيق مالي علّمتني عن نفسي أكثر مما علّمتني سنوات الرخاء. علّمتني أن السعادة التي يمكن أن يسرقها انخفاض الرصيد، ليست سعادة حقيقية أصلاً. كانت مجرد مسكّن مؤقت.
الخوف: الرابط السري بين قلبك ومحفظتك
دعنا ندخل إلى المنطقة الأكثر عمقاً: الخوف. غالباً ما تكون علاقتنا بالمال مغلّفة بعلاقة غير مُعلنة مع الخوف، حيث أن الخوف هو المحرّك الخفي للمال في حياتنا.
خوف الفقر: وهو أشبه بشبح يطارد من عانى، أو رأى معاناة، في صغره. هذا الخوف قد يجعلك تبخل على نفسك وعلى غيرك، لا لأنك بخيل، بل لأنك مرعوب. خوف المستقبل: «ماذا لو مرضت؟ ماذا لو فقدت عملي؟» هذا الخوف المشروع قد يتحوّل إلى هوس بالادخار والاستثمار، بحيث تعيش حاضراً بائساً من أجل مستقبل قد لا يأتي.
وهم السيطرة: أن تصبح عالة على الآخرين، أن لا تقدر على اتخاذ قراراتك. المال هنا هو وهم السيطرة على حياتك في عالم فوضوي.
عندما تفهم خوفك، تفهم إنفاقك. الشخص الذي ينفق بتهوّر على المظاهر، قد يكون خائفاً من أن يكون «عادياً». والشخص الذي يرفض إنفاق المال على الترفيه، قد يكون خائفاً من العودة إلى نقطة الصفر. المعركة ليست مع المال، بل مع ذلك الصوت الخافت المذعور داخل رؤوسنا.
الأخلاق والمبادئ: هل يشتريها المال أم يكشفها؟
نعود إلى السؤال الكلاسيكي: هل المال يفسد الأخلاق؟ بعد كل هذا ندرك أن: المال لا يفسد الأخلاق بل يختبرها تحت الضغط.
الأخلاق الضعيفة، المرِنة، التي تُتَّبع في الظاهر فقط، ستجد في المال أعذاراً رائعة للانحناء. «الضرورات تبيح المحظورات»، «هذه هي قواعد اللعبة»، «أنا لا أسرق، أنا فقط أكون ذكياً». المال هنا أعطى الفرصة والمغالطة للتنكر للقيم.
أما الأخلاق المتجذّرة، التي هي جزء من هوية الشخص، فستجد في المال تحدياً للتمسّك بها، ومجالاً لتجسيدها. هل ستظل أميناً عندما تستطيع الغش؟ هل ستظل كريماً عندما لا ينتظر منك أحد العطاء؟ هنا، يصبح المال ميداناً لعبادة القيم، لا لهدمها.
الفارق بين الشخصين لم يكن في المال، بل في الأساس الأخلاقي الذي بُنيت عليه حياتهما قبل أن يملكا ريالاً واحداً.
العلاقات: الكاشف الاجتماعي الأقوى
لنكن صادقين، أحد أكبر مخاوفنا هو: «هل سيحبونني لشخصي أم لمالي؟» هذا السؤال، بحد ذاته، هو هدية من المال. فالواقع أن المال كاشف للعلاقات ويعمل كـ عامل تصفية عجيب لعلاقاتك:
- يكشف من يتقرّب إليك طمعاً في مصلحة: ستلاحظ أن الحديث يدور دائماً حول إمكانياتك، مشاريعك، معونتك.
- ويكشف من يبتعد حسداً أو شعوراً بالنقص: قد تبرد علاقات قديمة لأن الطرف الآخر لم يعد مرتاحاً للفوارق الجديدة.
- والأجمل، يكشف من يبقى: أولئك الذين يرونك أنت نفس الشخص، الذين يفرحون لفرحك دون حساب، الذين يتعاملون معك ببساطة كما كانوا دائماً.
هؤلاء كنوز كشفهم المال، لا صنعهم. المال هنا يخلّصك من علاقات كانت مبنية على الظروف، ويُقوّيك على بناء علاقات مبنية على الصصدق. إنه فصل صعب… لكنه ضروري.
أنت لم تكن بحاجة إلى مال جديد، بل إلى فهم أعمق لنفسك القديمة
في نهاية هذه الجولة الهادئة، أريدك أن تتذكّر هذا: المال لا يصنع إنساناً جديداً. إنه يُسقِط الأقنعة عن الإنسان القديم. إنه الضوء الذي لن تختار وقت إشعاله غالباً، لكن عندما يُشعَل، يكون أمامك خياران: إما أن تغمض عينيك وتلوم الضوء على كشف الفوضى، وإما أن تفتحهما وتنظر بشجاعة إلى ما كشفه، وتبدأ في ترتيب غرفتك الداخلية.
لذلك، قبل أن تسعى لزيادة رصيدك في البنك، اسعَ لفهم رصيدك النفسي. قبل أن تستثمر في سوق الأسهم، استثمر في فهم مخاوفك وقيمك. لأن الثروة الحقيقية ليست في أن تملك المال، بل في أن تملك نفساً لا يستطيع المال أن يستعبدها.
المشكلة لم تكن يوماً في المال، يا صديقي. بل كانت، وستبقى، في النفس التي تحمله أو تطارده. والسؤال الذي سأتركك معه ليس: «كم تملك؟» بل: «ماذا يملكك؟»



0 تعليقات