هل سألت نفسك يومًا: لماذا أشعر بأن العالم كله يقف ضدي؟ أو ليه النظام الاقتصادي ضدنا؟
غالبًا، حين تُرفع الأصوات غاضبةً ضد النظام الاقتصادي، يبدو الخطاب كأننا في معركة وجودية: «نحن» ضد «هم». نتخيّل نظامًا شريرًا بذاته، يُدار في غرفٍ مظلمة بهدف إفقارنا. نغضب. نرفض. نُطلق الشعارات. وهذا يجعلنا نتساءل: هل النظام الاقتصادي ظالم حقاً؟
هذا الغضب طبيعي، بل صحيّ كأول مؤشر على الوعي. لكنه وعيٌ ناقص. كأن تشعر بألمٍ في جسدك فتصرخ من الوجع، دون أن تسأل: ما سبب هذا الألم؟ هل هو التهاب؟ أم إجهاد؟ أم شيء أخطر؟
الوعي الحقيقي لا يبدأ بالصراخ، بل بالتوقف عن الصراخ لتبدأ في الفهم، وتبحث بجدية عن كيف أفهم النظام الاقتصادي.
لماذا يبدو النظام عدوًّا للجميع؟
لنتفهم هذا الشعور أولًا. النظام الاقتصادي، بأدواته المعقّدة (الفائدة، التضخم، الأسواق المالية)، يشبه آلةً ضخمة بلغةٍ خاصة. عندما تتحرك هذه الآلة، قد تسحق أحلامًا دون قصد. حين ترتفع الأسعار وتتساءل التضخم ليه يزيد؟ أو ينخفض راتبك الحقيقي، أو تُغلق شركتك أبوابها، تشعر بالألم المباشر وتفكر: هل البنوك تسرقنا؟
والآلة لا تشرح نفسها. لا تأتيك رسالة تقول: «عذرًا لارتفاع الإيجار، السبب هو كذا وكذا». النتيجة المؤلمة تصلك منفصلةً عن سببها. من الطبيعي أن تتحول هذه الآلة الصمّاء في خيالك إلى «عدو». إنه تفسير بسيط لألمٍ معقّد يجعل الناس تسأل: هل في مؤامرة اقتصادية؟
لكن، هل يعني ألمك أن هناك شخصًا يجلس خلف شاشة ويضغط زرّ «إفقار أحمد» أو «تدمير أحلام سارة»؟
في معظم الأحيان، لا. النظام الاقتصادي أشبه بـ «طقسٍ اجتماعيّ معقّد»، له قوانينه كما للطبيعة قوانينها. لا نغضب من الجاذبية لأنها تُسقطنا إذا وقعنا، بل نتعلم كيف نسير بحذر. الفرق هنا أن قوانين النظام الاقتصادي من صنع البشر، وبالتالي يمكن فهمها، وربما التعامل معها، وهذا هو جوهر كيف أفهم الفلوس.
مقاومة عمياء، أم فهمٌ يمنح الرؤية؟
هنا الفاصل الحقيقي. تخيّل معي شخصًا غاضبًا من «الفيضان» الذي دمّر بيته. يقف على الشاطئ ويصرخ في وجه الأمواج، يلعن البحر ويقذفه بالحجارة. هل هذه مقاومة؟ نعم. هل هي مفيدة؟ لا. وهذا يفسر ليه الغضب ما يفيد ماليًا.
المقاومة العمياء (الرفض الشامل، الغضب العشوائي، ترديد الشعارات دون تحليل) تُشعرنا بأننا «نفعل شيئًا»، لكنها في الحقيقة تستهلك طاقتنا العاطفية والذهنية، بينما النظام مستمر في عمله. أما الفهم التحليلي، فهو أن تدرس: كيف تتشكل الأمواج؟ ما دور القمر والرياح؟ متى يأتي المدّ والجزر؟ وأين يمكن البناء بأمان في المرة القادمة؟
من يقاوم النظام دون فهم آلياته، يتعب أكثر من النظام نفسه. إنه يحارب شبحًا. فهم النظام الاقتصادي هو البداية الصحيحة.
التشبيه المركزي: لماذا لا تعالج المسكناتُ المرض؟
دعنا نعمّق الصورة بتشبيهٍ قاسٍ لكنه واضح. مقاومة النظام دون فهم آلياته، تشبه محاربة السرطان بمسكنات الألم:
- المسكن يُخدّر الألم ← الشعارات والغضب يخففان الإحساس بالإحباط.
- المرض (الخلل الهيكلي) يستمر في النمو ← النظام ومحركاته الأساسية تواصل العمل.
- المريض يظن أنه تحسّن لأنه لا يشعر بالألم ← الفرد يظن أنه «واعٍ» أو «مقاوم» لأنه عبّر عن غضبه.
التركيز على «الأعراض» (ارتفاع الأسعار، البطالة، الشعور بالظلم) دون تشخيص «المرض» (كيف تعمل آليات التضخم؟ كيف تتوزع الثروة؟ ما دور السياسات النقدية؟) هو وصفة مؤكدة للإرهاق الدائم والتقدم الصفري، وهذا يوضح ليه ما نتقدم ماديًا.
كيف يعمل النظام عندما لا نراقبه؟
لننزل من برج المشاعر إلى أرض الآليات. النظام الاقتصادي ليس كائنًا عاقلًا يكره أو يحب. إنه مجموعة من الحوافز والاستجابات.
- يستجيب للحوافز: إذا كافأ النظام المضاربة السريعة على المدى القصير، سيزداد عدد المضاربين. هذا ليس مؤامرة، بل نتيجة طبيعية.
- يكافئ أنماط سلوك معينة: النظام المالي العالمي «يحيّي» من يفهم لغة المخاطر والعوائد، ويتقن لعبة التوقيت.
- يعاقب الجهل أكثر مما يعاقب الفقر: وهذه نقطة جوهرية. النظام لا يمنع الفقير الطموح الذي يفهم قواعد اللعبة من التقدم، لكنه يُعاقب بشدة الغني الجاهل الذي يخاطر بثروته دون معرفة.
النظام لا يكرهك لكنه لا ينتظرك. إنه مثل البحر: قد يُغرق الجاهل به، وقد يكون طريقًا للثراء لمن يتعلم فن الإبحار.
لماذا يدفع الغاضبون الثمن أولًا؟
الغضب مشروع، لكنه أداة تحليل سيئة، لأنه يقلّل القدرة على التحقّق، ويمنع التعلّم، ويؤدي إلى التعميم. حين يقع الشخص في أخطاء الاستثمار الشائعة نتيجة انفعاله، فإنه يدفع الثمن غالياً.
النتيجة؟ من يقاوم النظام بعاطفة الغضب المالي فقط، يرتكب أخطاء مالية مكلفة و قرارات مالية غلط (استثمارات طائشة، مقاطعات غير محسوبة)، فيصبح أول ضحايا الجهل المالي، قبل أن يكون ضحية النظام نفسه. وهذا يجاوب على تساؤل ليه الفقير يفضل فقير في أحيان كثيرة.
الفهم لا يعني الخضوع (هنا بيت القصيد)
ربما هذا هو سوء الفهم الأكثر خطورة. يعتقد البعض أن محاولة فهم النظام تعني تبريره أو الاستسلام لظلمه. الحقيقة نقيض ذلك تمامًا. الفهم لا يعني الخضوع بل يمنحك الخيارات، أما الجهل فيحصرك في ردّ فعل واحد: الصراخ.
من يفهم النظام يرى الخريطة كاملة: أين المناطق الخطرة؟ أين الممرات الآمنة؟ أين الثغرات؟ ثم يقرّر: هل ينسحب من لعبة ما؟ هل يتكيّف مع قواعدها؟ هل يستغل فجوة مؤقتة؟ هل يبني سفينته الخاصة بعيدًا عن الطريق الرئيسي؟
أما الجاهل فلا خيار لديه سوى ردّ الفعل العاطفي: الرفض أو الاستسلام. كلاهما وجهان لعملة واحدة: العجز. الفهم هو السلاح الحقيقي، ولهذا ترى ليه الغني يغتني أكثر لأنه ببساطة فهم القواعد.
متى تنسحب؟ ومتى تتكيّف؟
لنحوّل هذا إلى خطة عمل. بعد الفهم، تأتي مرحلة المراقبة الاستراتيجية. اسأل نفسك:
متى يكون الانسحاب ذكاءً وليس هروبًا؟ حين تكتشف أن جزءًا من النظام مبنيّ على أساس هشّ، ولا يتوافق مع قيمك أو تحليلك. الانسحاب هنا حفظٌ لطاقتك ورأس مالك لمعركة يمكنك ربحها.
متى يكون التكيّف بقاءً وليس خضوعًا؟ حين تدرك أن هناك قاعدة ما (مثل ضرورة الادخار، أو أهمية التنويع، أو قوة الفائدة المركبة) هي قانون طبيعي في هذا النظام. التكيّف مع القوانين الاقتصادية ليس ضعفًا. التحوّل من «معارض غاضب» إلى «مراقب استراتيجي» هو التحوّل من الضحية إلى اللاعب.
الوعي الذي لا يصرخ
الوعي الحقيقي هادئ. عميق. لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت وجوده. إنه ذلك الإحساس الذي ينتابك وأنت ترى حدثًا اقتصاديًا في الأخبار، فلا تفكّر فورًا: «من المستفيد؟» (سؤال المؤامرة)، بل تسأل: «ما الآلية التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة؟» (سؤال الفهم). هذا هو الوعي المالي الحقيقي.
الوعي هو أن تعرف أن البحر خطِر، فتتعلّم السباحة بدل البقاء على الشاطئ تلعن الأمواج، وتتعلم كيف أتعامل مع الغلاء بذكاء. وأحيانًا، يكون الوعي هو أن تدع النظام يعمل في خلفية حياتك، بينما أنت تعمل على نفسك: تبني مهاراتك، توسّع مداركك، تخلق مصادر دخلك، وتُحصّن نفسك من عواصفه.
أخطر مكان يمكن أن تقف فيه في حياتك المالية، ليس ضد النظام، بل أمامه… وأنت لا تفهمه.
في مدوّنة InvSpora، نحن لا نبيع وهم الحرية المالية السريعة، ولا نغذّي غضبًا عقيمًا. بل نزرع الفهم، لأننا نؤمن أن أقوى ثورة يمكن أن تقوم بها، هي تلك التي تحدث داخل عقلك أولًا.



0 تعليقات