هل تتذكر النصيحة التي سمعتها ألف مرة؟ "احصل على وظيفة آمنة ثابتة، تكن آمنًا."
كنا نرددها وكأنها قانون طبيعي، مثل الجاذبية. لكن دعني أخبرك شيئًا قد تشعر به في أعماقك: هذا الوعد لم يعد صادقًا. المشكلة ليست فيك. لست كسولًا، ولم تخطئ في اختيار تخصصك. المشكلة أن العالم الذي صُنعت فيه تلك النصيحة قد اختفى، بينما ما زلنا نعيش وكأنه حقيقة مطلقة.
لاحظت ذلك بنفسي. أرى أصدقاء متميزين، ملتزمين، يعملون ساعات طويلة، ومع ذلك ينامون وفي قلوبهم قلق خفي: "ماذا لو جاءت رسالة البريد الإلكتروني غدًا؟" هذا الشعور ليس وهمًا. إنه إحساس منطقي تمامًا في عالم تغيّرت قواعده دون أن يُعلن. كثير من الناس يتساءلون الآن: هل الوظيفة ما زالت آمنة؟
من أين جاء وهم الأمان الوظيفي أصلًا؟
لنعد بالزمن قليلًا. تخيّل اقتصادًا ما بعد الحرب العالمية الثانية: مصانع ضخمة، نمو بطيء لكنه ثابت، وشركات تخطط لعقود قادمة. في ذلك العالم، كان منطقيًا أن تقدّم ولاءك مدى الحياة لشركة، وتتلقى في المقابل استقرارًا حتى التقاعد.
كان هناك عقد اجتماعي غير مكتوب: أنت تكرّس وقتك، وهم يضمنون مستقبلك. حتى التعليم صُمّم لخدمة هذا النموذج: تحصل على شهادة ← تدخل وظيفة ← تتقدّم في السلم الوظيفي ← تُحال على المعاش.
(وهنا أتوقف لأقول: لطالما وجدت هذا النموذج أشبه بخط إنتاج بشري… لكنه نجح لعقود). المهم أن الأمان الوظيفي لم يكن قانونًا كونيًا، بل كان مرحلة تاريخية مؤقتة، مثل موضة الملابس أو طراز السيارات.
المشكلة أننا ورثنا نصائح من حقبة انتهت، وكأننا نستخدم خريطة قديمة لطرق لم تعد موجودة. نحن نعيش في حالة من الاستقرار الوهمي.
ماذا تغيّر؟ (التحولات الهيكلية العميقة)
لم يختفِ الاستقرار فجأة. لقد انهار النظام القديم تحت وطأة ثلاث ثورات متداخلة، مما جعل الكثيرين يدركون أن الأمان الوظيفي وهم:
1. الأتمتة والذكاء الاصطناعي: لم يعد الخطر يدق الباب، بل دخل الغرفة
تخيّل أن جارك اشترى آلة تحصد القمح بسرعة مذهلة. في الماضي، كنت ستقول: "حسنًا، أنا أعمل في مكتب، هذا لا يؤثر علي." اليوم، الأمر مختلف تمامًا. الذكاء الاصطناعي لم يعد يحل محل الجهود البدنية فقط، بل يحل محل التفكير المتكرر.
قرأت دراسة أكاديمية مقلقة تُظهر أن حوالي 25% من الوظائف المكتبية (مثل كتّاب الملفات، المحللين الائتمانيين، ومعالجي الكلمات) لديها احتمالية عالية للأتمتة. الأكثر إثارة للقلق؟ هذه التقنيات تتحسّن بسرعة تفوق تصوراتنا. الـ ChatGPT الذي استخدمته قبل عام ليس هو نفسه الذي يُستخدم اليوم. الشركات تستثمر مئات المليارات لتطوير هذه الأدوات، والنتيجة: وظائف كاملة تُضغط أو تختفي دون إنذار مسبق، كأنها قطع شطرنج تُسحب من الرقعة. وهذا هو جوهر علاقة الذكاء الاصطناعي والوظائف اليوم.
2. العولمة: لم تعد المنافسة المهنية محلية كما كانت
اليوم، الموظف لا ينافس خريج الجامعة نفسها فقط، بل ينافس أشخاصًا يعملون من قارات أخرى، بعقليات متقاربة، وأحيانًا بتكلفة أقل. التكنولوجيا والعمل عن بُعد أزالا الحواجز الجغرافية، وجعلا السوق مفتوحًا على مصراعيه. وليس الأمر متعلقًا بالأجور المنخفضة فقط، بل أصبح بإمكان الشركة توظيف أفضل المواهب عالميًا لمشروع مؤقت، ثم إنهاء التعاقد. العالم أصبح مكتبًا واحدًا كبيرًا، والحدود الوظيفية تتلاشى، وهذا ما يشكل مستقبل العمل.
3. الاقتصاد المؤقت (Gig Economy): المرونة التي تخدم الطرف الآخر
هنا تكمن المفارقة. يُباع لنا مفهوم "المرونة" كحرية، لكن في كثير من الأحيان هو نقل للمخاطر من المؤسسة إلى كاهلك أنت. بيانات 2025 تُظهر أن 42% من القوى العاملة في الولايات المتحدة وأوروبا تعمل ضمن هذا النموذج. في الشرق الأوسط، النسبة تنمو بسرعة 35%. الرقم مذهل، لكن وراءه قصة أخرى: 60% من هؤلاء العاملين لا يحصلون على دخل ثابت، و 75% ليس لديهم تأمين صحي أو معاش تقاعدي. (تخيّل أن تبني بيتك على أرض يملكها غيرك، دون عقد. هذا بالضبط ما يشبه الاعتماد الكامل على الاقتصاد المؤقت دون خطة بديلة).
الخلاصة المرة: الاستقرار لم يُلغَ… بل نُقل من النظام إلى الفرد. صار عبء الأمان يقع على عاتقك أنت، في نظام صُممم ليكون مرنًا لمصلحة الشركات.
لماذا أصبحت الوظيفة نقطة ضعف وليست أمانًا؟
هنا نصل إلى قلب المقال، وأريدك أن تقرأ هذه الفقرة بتركيز: الاعتماد على مصدر دخل واحد من جهة عمل واحدة هو أكبر مخاطرة مالية يمكن أن تقع فيها اليوم.
تخيّل أنك تستثمر كل مدخراتك في سهم واحد. أي خبر سيئ عن تلك الشركة قد يدمّر ثروتك. هذا بالضبط ما تفعله عندما تربط دخلك، وقيمتك المهنية، ومستقبلك بشركة واحدة. الاعتماد على وظيفة واحدة هشّ أمام أي قرار إداري، أي أزمة اقتصادية، وأي تحوّل تكنولوجي. الوظيفة لم تعد ضمانًا كما في السابق.
والأخطر من ذلك: المهارات المرتبطة بمسمّى وظيفي ضيق تفقد قيمتها بسرعة. كم من مهام وظيفتك قبل خمس سنوات أصبحت آلية اليوم؟ الأمر أشبه بتعلّم لغة قبيلة معزولة. قد تكون خبيرًا فيها، لكن إذا اختفت القبيلة، تصبح خبرتك بلا قيمة في السوق الأوسع. تذكّر أن الاعتماد على مصدر دخل واحد مخاطرة يجب تجنبها.
الأمان الحقيقي: أن تكون صعب الاستبدال، لا أن تكون غير قابل للفصل
لذلك، دعنا نعيد تعريف الأمان من جذوره: الموظف الآمن ليس من "لا يُفصل"، بل من "يصعب تعويضه". الأمان الحقيقي في المهارات لا في الوظيفة.
السوق لا يكافئ العناوين الوظيفية الرنانة، بل يكافئ القيمة في السوق القابلة للتطبيق. هناك شخص ليس له منصب ثابت في أي شركة، لكنه مطلوب دائمًا كمستشار، لأنه يمتلك قدرة فريدة على حل مشكلات معقدة. وفي المقابل، هناك من يحمل منصب نائب رئيس في شركة كبيرة، لكنه يعترف أن قيمته مرتبطة بكرسيه… فإذا ذهب الكرسي، تلاشت القيمة.
فكّر في الأمر بصدق: هل تستطيع شركتك الاستمرار إذا غبت شهرًا؟ هل يوجد شخص آخر يمكنه أداء دورك بالكفاءة نفسها؟ هل أنت صعب الاستبدال فعلاً؟ إجابتك عن هذه الأسئلة هي ما يحدد مستوى أمانك الحقيقي.
ما المقصود بمهارات قابلة للنقل؟
كفاية تجريد. لننتقل إلى العملي. المهارات القابلة للنقل (Transferable Skills) هي تلك التي لا تموت بتغيّر الوظيفة أو الشركة أو حتى القطاع. هي أشبه بعملة صعبة تقبلها جميع الأسواق، وهي مهارات لا تُستبدل بسهولة.
بعض الأمثلة:
- التفكير النقدي وحل المشكلات: القدرة على تفكيك مشكلة معقّدة إلى أجزاء، ورؤية الأنماط الخفية، بدل الاكتفاء بردود الفعل السطحية.
- التواصل الفعّال: ليس مجرد التحدث بلغة جيدة، بل القدرة على الإقناع، التفسير، وتحفيز الآخرين عبر الكتابة والكلام.
- البيع: وأقصد هنا بيع الأفكار؛ إقناع الآخرين بقيمة ما تقدّمه، سواء كان منتجًا، مشروعًا، أو حتى نفسك في مقابلة عمل.
- إدارة المشاريع: تنظيم الموارد، وضع الجداول، ومتابعة التنفيذ حتى النهاية، لا الاكتفاء بالبدايات الحماسية.
- بناء الأنظمة والعمليات: تحويل الفوضى إلى نظام واضح يمكن لأي شخص اتباعه دون الاعتماد على الأفراد فقط.
تمييز مهم: ليست كل مهارة تقنية مهارة قابلة للنقل. تعلّم برنامج محاسبي معيّن قد يكون مفيدًا لوظيفتك الحالية، لكن فهم مبادئ التحليل المالي يفتح لك أبوابًا في عشرات المجالات. الأمر أشبه ببناء منزل: المهارات المتخصصة هي الأثاث والديكور (جميلة، لكن يصعب نقلها). المهارات القابلة للنقل هي الأمان الحقيقي لأنها الهيكل والأساس (يمكنك بناء أي شيء فوقها).
خلق القيمة: العملة الوحيدة التي لا تسقط
دعني أشاركك إدراكًا غيّر نظرتي للعمل تمامًا: من يفهم كيف يحل مشكلة حقيقية للناس، سيجد مكانًا دائمًا له. الوظائف تتغيّر، الشركات تظهر وتختفي، والتقنيات تتقدّم. لكن المشكلات الإنسانية والاقتصادية الأساسية تبقى.
خلق القيمة هو العملة الوحيدة المستمرة. الناس يريدون حلولًا: أسرع، أرخص، أذكى، وأكثر متعة. فكّر خارج إطار مسمّاك الوظيفي، وتذكر أن القيمة لا ترتبط بالمسمى الوظيفي.
واسأل نفسك بصدق: ما المشكلة التي أحلّها في عملي الحالي؟ من المستفيد الحقيقي من هذا الحل؟ كيف يمكنني حل هذه المشكلة بشكل أوسع، لجمهور أكبر؟ عندما تربط مهاراتك بالقدرة على حل مشكلات، تصبح قيمتك مستقلة عن الشركة أو القطاع. أنت تبيع الحلول، لا الساعات. السوق لا يكافئ العناوين بل القيمة.
ماذا يعني هذا لك عمليًا؟ (لا وعود، فقط خطوات)
أعلم ما تفكّر فيه الآن: "كل هذا كلام جميل… لكن ماذا أفعل صباح الأحد؟" لن أقدّم وعودًا وردية. الأمور صعبة. لكن هناك مسارًا واضحًا يمكنك السير فيه ضمن خطة كيف تبني أمانك الوظيفي بنفسك:
- توقّف عن بناء هويتك على مسمّاك الوظيفي: أنت لست "محاسبًا" أو "مدير تسويق". أنت شخص يمتلك مهارات في المحاسبة أو التسويق. هذا الفارق البسيط في العقلية يحرّرك.
- وسّع مهاراتك خارج وصفك الوظيفي مباشرة: إن كنت محاسبًا، تعلّم تحليل البيانات. إن كنت مبرمجًا، تعلّم أساسيات التصميم أو الكتابة التقنية. اهدف لأن تكون على شكل حرف T: عمق حقيقي في تخصصك (الجزء العمودي)، ومعرفة واسعة في مجالات مجاورة (الجزء الأفقي).
- ابدأ مشروعًا جانبيًا صغيرًا: لا تحتاج لترك وظيفتك. ابدأ شيئًا يعتمد على مهاراتك القابلة للنقل: مدونة، قناة يوتيوب تشرح فيها مجال تخصصك، خدمة استشارية مصغّرة. الهدف ليس الربح السريع، بل اختبار قدرتك على خلق قيمة خارج نظام الراتب لتعرف مستقبل الوظائف الحقيقي.
- ابنِ شبكة علاقات حقيقية: لا أقصد جمع اتصالات على لينكدإن. أقصد علاقات تبادلية تقدّم فيها المساعدة وتتعلّم من الآخرين. في عالم الوظائف الهشّة، شبكة العلاقات القوية هي شبكة الأمان الاجتماعية الأقوى.
- ادّخر كما لو أنك ستخسر وظيفتك غدًا: هذا ليس تشاؤمًا، بل واقعية. وجود غطاء مالي لستة أشهر يمنحك حرية الرفض: رفض العرض السيئ، رفض الظروف المجحفة، وانتظار الفرصة المناسبة دون ذعر. هذا جزء أساسي من الاستثمار في المهارات أهم من الوظيفة.
باتباع هذه الخطوات، ستتعلم كيف تحمي نفسك من فقدان الوظيفة وتصنع أمانك الخاص.
الوظيفة قد تذهب… والقيمة تبقى
في نهاية جلسة القهوة هذه، دعني ألخّص الفكرة في جملة واحدة: الوظيفة وسيلة وليست ضمانًا. كانت دائمًا كذلك، لكننا نسينا هذا في حقبة الاستقرار الوهمي. اليوم، الواقع يعيدنا إلى الحقيقة… بقسوة.
السوق يتغيّر، الوظائف تختفي وأخرى تظهر، والمسمّيات تتشوّه. لكن من يستطيع خلق قيمة حقيقية، حلّ مشكلات ملحّة، والاستمرار في التعلّم، سيجد دائمًا مكانًا له. الأمان لم يختفِ من العالم. لقد غيّر عنوانه فقط.
لم يعد مختبئًا في عقد وظيفي داخل شركة كبيرة، بل انتقل إلى داخلك: في مهاراتك التي لا تُستبدل بسهولة، في شبكة علاقاتك، في مشاريعك الجانبية، وفي فهمك العميق لكيفية خلق القيمة من الفوضى. لا تنتظر رسالة البريد الإلكتروني. ابدأ اليوم في بناء أمانك الحقيقي. ليس الخوف من المستقبل هو ما يجب أن يدفعك، بل الرغبة في امتلاك زمام حياتك في عالم قرّر أن يكون غير ثابت.
السؤال الذي أتركك معه: إذا اختفت وظيفتك الحالية غدًا، ما عنوان قيمتك؟



0 تعليقات