لمَ نحتاج إلى فهم التضخم؟
كان جدي رحمه الله يحكي دائمًا، وعيناه تلمعان بالحنين: "يا ولدي، بالريال الواحد كنت أشتري رغيفين خبز وعلبة جبن وبيضة، وأعود إلى البيت ومعي الباقي!".
كنت أستمع إليه مبتسمًا، أعتقد أن هذا من "مبالغات الكبار"، لكني فهمت القصة أخيرًا يوم وقفتُ أمام السوبرماركت أحسب ثمن نفس تلك المشتريات، فاكتشفت أن الريال نفسه لم يعد يشتري حتى ربع رغيف!
هل تساءلت يومًا: ليش الأسعار ترتفع كل سنة؟ وليش راتبك ما عاد يكفي مثل قبل؟ هذا الشعور بالحيرة، ذلك الفارق الغامض بين ما كان بوسعك شراؤه بالأمس وما تستطيع شراءه اليوم... هذا هو التضخم. إنه ليس رقمًا مملًا في نشرة إخبارية، بل هو ذلك "اللص الهادئ" الذي يسرق من محفظتك دون أن تشعر، والذي يجعل أحلامك البسيطة – من سيارة إلى منزل إلى رحلة عائلية – تبتعد عنك قليلًا كل يوم.
في هذا المقال، لن نغرقك بالأرقام. بدلاً من ذلك، سنجلس معًا كما يجلس الأصدقاء على كوب قهوة، ليفهموا ما الذي يحدث لفلوسهم، وكيف يمكنهم حماية أنفسهم من الغلاء. لأن فهم التضخم – في زمن الاضطرابات هذا – لم يعد ترفًا، بل أصبح سلاحًا ضروريًا للنجاة.
ما هو التضخم؟ أكثر من مجرد تعريف
يقول ميلتون فريدمان، أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ: "التضخم دائمًا وفي كل مكان ظاهرة نقدية."
لكن ما معنى هذه الجملة الجامدة؟ دعني أوضحها لك بقصة بسيطة.
تخيل أننا على جزيرة نائية، ولدينا 100 صدفة بحرية فقط متداولة بيننا، وهناك 100 موزة فقط. سعر الموزة = 1 صدفة.
الآن، فجأة، جاء مدّ بحر (البنك المركزي) وجلب 900 صدفة إضافية! أصبح لدينا 1000 صدفة، لكن عدد الموز لم يتغير (100 موزة).
ماذا سيحدث؟ سيضطر البائع لرفع السعر، فيصبح سعر الموزة 10 أصداف.
هذا هو التضخم في أبسط صوره: عندما يزيد عدد "الأصداف" (المال) دون أن تزيد "الموزات" (السلع والخدمات)، فتقل قيمة كل صدفة وترتفع الأسعار. كلما طُبعت أموال أكثر من دون إنتاج حقيقي، تضعف قيمة العملة ويزيد الغلاء.
أنواع التضخم ببساطة
دعنا نفرق بين أنواعه بطريقة أكثر سلاسة:
- التضخم الكلي: هو مثل قياس وزنك مرتديًا ملابس الشتاء الثقيلة وحذاءك (أسعار الغذاء والطاقة). يعطيك صورة عامة لكنها غير دقيقة.
- التضخم الأساسي: هو أن تخلع كل ملابسك وتزن نفسك على ميزان دقيق. هنا نحذف أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة (مثل الطقس) لنرى "وزن" الاقتصاد الحقيقي.
والأهم هو الفرق بين:
- التضخم المعتدل (2%): مثل "حرارة الجسم الطبيعية قليلًا" – دليل على صحة ونشاط الاقتصاد. البنوك المركزية تحبه لأنه يشجع الناس على الإنفاق والاستثمار بدلًا من كنز الأموال.
- التضخم المفرط: هو "الحمى الشديدة التي تهدد حياة الاقتصاد". هنا ترتفع الأسعار بنسبة 50% شهريًا أو أكثر. في ألمانيا عام 1923، كان الناس يملأون عربات يدوية بالأوراق النقدية لشراء رغيف خبز واحد! كانت الأوراق بلا قيمة، لدرجة أن الأطفال كانوا يلعبون بها ويصنعون منها طائرات ورقية.
- الانكماش (التضخم السلبي): وهو العكس – أن تنخفض الأسعار باستمرار. قد يبدو هذا جنة، لكنه في الحقيقة جحيم! لماذا؟ لأن الناس سيؤجلون الشراء منتظرين أسعارًا أقل غدًا. هذا التريّث الجماعي يتسبب في كساد المصانع، وتسريح العمال، ودمار الاقتصاد. إنها "مفارقة الادخار" التي تحدث عنها الاقتصادي العظيم جون مينارد كينز.
من المسؤول؟ 5 أسباب وراء غلاء الأسعار
ليش الأسعار ترتفع؟ عادةً ما يكون التضخم نتيجة لـ "عصابة" من العوامل تتآمر معًا، أشهرها:
1. تضخم الطلب (كثير من المال يطارد قلة من السلع):
يقول الاقتصادي الشهير كينز: "الطلب يخلق العرض الخاص به."
لكن ماذا يعني هذا؟ تخيل إعلانًا عن هاتف جديد رائج، الجميع يريد شراءه، لكن المعروض محدود. ماذا يحدث؟ يرتفع السعر.
الآن، كبّر هذه الصورة على مستوى الاقتصاد كله. عندما يكون لدى الناس سيولة نقدية كبيرة (مثل شيكات التحفيز في جائحة كورونا)، يصبح لدينا "كثير من المال يطارد قلة من السلع"، فترتفع الأسعار في القطاعات كلها.
2. تضخم التكاليف (الشركات تدفع أكثر، فتشحننا الفاتورة):
عندما ترتفع تكلفة المواد الخام، أو الطاقة، أو حتى الأجور، تنتقل هذه التكلفة إليك أنت – المستهلك – في صورة سعر أعلى. هل لاحظت يومًا كيف أن ارتفاع سعر النفط يؤثر على كل شيء؟ من ارتفاع سعر الوقود، إلى أجرة شاحنة النقل، ثم إلى سعر الخضار في السوق، ثم إلى الوجبة في المطعم. إنه مثل حجر أُلقي في بركة، تموجاته تصل إلى أبعد نقطة.
3. التوسع النقدي (كثير من الورق، قلة من البضائع):
تذكّر قصة "الأصداف والموز". عندما تطبع الحكومة أو البنك المركزي أموالًا بشكل مفرط – كما حدث في زيمبابوي – دون أن يدعم ذلك إنتاج سلع وخدمات أكثر، تصبح العملة مثل "عصير برتقال مُخفف بالماء": طعمه يضعف، وقيمته تنخفض.
4. التضخم المستورد (نحن جزء من عالم كبير):
نحن نعيش في قرية عالمية. إذا ارتفعت أسعار القمح في أوكرانيا بسبب الحرب، أو ارتفعت أسعار الشحن البحري من الصين، فإن رغيف الخبز في مخبز حيك، وسعر الهاتف في متجرك، سيرتفعان تلقائيًا. اقتصادنا لم يعد معزولًا.
5. توقعات التضخم (العامل النفسي – الأخطر):
هذا هو العامل الأكثر إثارة للاهتمام.
يقول وارن بافيت: "المستقبل لا يمكن توقعه أبدًا، لكننا نستطيع الاستعداد له."عندما يتوقع الجميع – بما فيهم أنت – أن الأسعار سترتفع غدًا، فإنك تسارع بالشراء اليوم خوفًا من الغلاء. تشتري زيتًا أكثر، وسكرًا أكثر، وربما حتى سلعًا معمّرة.
وهذا التصرف الجماعي يخلق طلبًا كبيرًا مفاجئًا يؤدي إلى... ارتفاع الأسعار فعليًا! إنها "نبوءة محققة لذاتها": الخوف نفسه يصبح وقودًا للتضخم.
أنواع التضخم وتأثيره: من المستفيد؟ ومن المتضرر؟
التضخم ليس عدلاً. تأثيره يختلف بشكل صارخ من شخص لآخر، وكأنه فيلم له أبطال وأشرار:
المدينون (الأبطال غير المتوقعين):
(مفاجأة!) المدينون – مثل أصحاب القروض العقارية طويلة الأجل بفائدة ثابتة – هم من أكبر المستفيدين. لماذا؟ لأنهم اقترضوا "مالًا قويًا" وسيسددونه بأموال "مستعملة" قيمتها الحقيقية أقل. تخيل أنك اقترضت 500,000 ريال عندما كان سعر الذهب 100 ريال للجرام (ما يعادل 5000 جرام ذهب). بعد سنوات من التضخم، أصبح سعر الجرام 200 ريال. الآن، لسداد 500,000 ريال، أنت تحتاج إلى بيع 2500 جرام ذهب فقط! لقد ربحت 2500 جرام ذهب دون أن تتحرك. ديونك "تذوب" مع التضخم.
المدخرون (ضحايا الصبر):
إذا كنت تدخر أموالك "تحت الفراش" أو في حساب بنكي بفائدة 0% بينما التضخم 5%، فأنت في الحقيقة تخسر 5% من قيمة مدخراتك سنويًا. التضخم هنا كالنسر ينقر من قيمة مدخراتك بهدوء كل يوم.
يقول روبرت كيوساكي: "المدخرون هم الخاسرون" في ظل النظام المالي الحالي.
أصحاب الدخل الثابت (كالمتقاعدين):
هذه الفئة هي الأكثر معاناة. تخيل متقاعدًا معاشه الشهري 3000 ريال. كان يكفيه ليعيش بكرامة. بعد خمس سنوات من التضخم، نفس الـ 3000 ريال لا تكفي إلا للضروريات. هو لم يفعل شيئًا خاطئًا، لكن مستوى معيشته انخفض رغم ثبات دخله. إنها معاناة صامتة.
الموظفون (سباق الجري على جهاز المشي):
إذا كانت زيادات راتبك السنوية 3% بينما التضخم 5%، فأنت في الحقيقة تخسر 2% من دخلك الحقيقي كل عام. أنت تركض بجد على "جهاز المشي" الراتب، لكنك في الواقع تتراجع إلى الخلف. الفجوة بين دخلك وتكاليفك تتسع ببطء.
التضخم كمؤشر على التقدم الاقتصادي: الصديق الذي قد يتحول إلى عدو
دعنا ننصف التضخم قليلًا؛ فليس كل شر مطلق. القليل منه – مثل 2% – هو كالملح في الطعام، ضروري لتنشيط الاقتصاد. لماذا؟ لأنه يشجع الناس على الاستهلاك والاستثمار بدلاً من كنز الأموال.
تخيل لو أن الأسعار تنخفض كل عام بنسبة 2%، هل ستشتري شيئاً جديدًا اليوم أم ستنتظر عامًا لتحصل على سعر أقل؟ انتظارك سيشل حركة المصانع والمتاجر. إذن، التضخم المعتدل هو وقود النشاط التجاري.
الحد الفاصل هو عندما يتجاوز التضخم معدل نمو الأجور والإنتاجية؛ حينها يتحول من "صديق" إلى "عدو". إنه كالنار في الموقد: تدفئك إذا سيطرت عليها، وتحرق بيتك إذا خرجت عن السيطرة.
كيف يؤثر التضخم على حياتنا اليومية؟ أكثر من مجرد أسعار!
تأثير التضخم أعمق بكثير من فاتورة البقالة. إنه يشكل سلوكنا النفسي والاجتماعي:
يشوه قراراتنا الشرائية:
قد تضطر لشراء سلع رديئة لأنك لم تعد تستطيع تحمّل الجيدة. تختار التعليم الأرخص لأولادك، والرعاية الصحية الأقل جودة، والطعام الأقل قيمة غذائية.
يقتل الأحلام:
التضخم لا يتحدث لغة الإحصاءات والرسوم البيانية، بل لغة المشاعر اليومية. إنه يهمس في أذن الأم التي تضطر لشراء نوع أرخص من حليب أطفالها، ويتنهد مع الموظف والأب الذي يحذف عناصر من قائمة التسوق، ويصمت مع الشاب الذي يؤجل حلم الزواج بسبب غلاء الأسعار. التضخم يسرق منك "المستقبل" قليلًا كل يوم.
يخلق توترًا أسريًا:
النقاشات حول "أين تروح الفلوس؟" تزداد حدة عندما لا تعود الميزانية الشهرية كافية. التوتر المالي هو أحد الأسباب الرئيسية للمشاكل الأسرية.
يغير أولوياتنا:
الادخار للتقاعد أو تعليم الأبناء يصبح ترفًا عندما تكون مشغولاً بتأمين احتياجات الشهر. المستقبل البعيد يضحّي من أجل الحاضر الملح.
ماذا يمكننا فعله لمواجهة التضخم؟ استراتيجيات عملية
لا يمكنك وقف التضخم بمفردك، لكنك تستطيع بناء "قارب النجاة" الذي يبقيك طافيًا حتى تنحسر الموجة. إليك خطة عملية:
1. لا تكن مدخرًا سلبيًا – كن مستثمرًا ذكيًا:
يقول بيت درايسن: "الاستثمار هو عملية نقل المشتريات من الحاضر إلى المستقبل."
بدلاً من ترك مدخراتك في حساب بنكي يذوب، تعلم عن الاستثمار في أصول تتغلب على التضخم:
- الأسهم: امتلاك جزء من شركة ناجحة يعني أن أرباحك وقيمة استثمارك تنمو مع نمو الاقتصاد.
- العقار: بشرط الدراسة الجيدة، فالعقار يمثل أصلًا حقيقيًا تزداد قيمته مع الوقت.
- السلع الأساسية: مثل الذهب، الذي كان مخزن قيمة لآلاف السنين.
(كثير يسأل: أفضل استثمار وقت ارتفاع الأسعار؟ — الجواب: الأصول التي تحمي قيمتها مع الزمن).
2. استثمر في نفسك – فهو أفضل استثمار:
يقول وارن بافيت: "أفضل استثمار يمكنك القيام به هو استثمار في نفسك..."
في زمنٍ تتبدّل فيه الأسعار كل صباح، وتفقد العملات وزنها كما يفقد المعدن بريقه، يبقى العلم هو الأصل الوحيد الذي لا يصدأ.
الفلوس التي تدّخرها اليوم قد تتآكل غدًا، لكن المهارة التي تزرعها في نفسك تنمو معك وتثمر في كل مرحلة من حياتك. خذها عن تجربة: ما تعلّمته قبل خمس سنوات ما زال يفتح لي أبوابًا، بينما مدخرات تلك الفترة تقلّصت دون أن أشعر.
لهذا أؤمن أن أفضل استثمار هو أن تستثمر في نفسك — في دورة تُنمّي وعيك المالي، أو لغة توسّع أفقك، أو مهارة تصنع بها دخلك بيدك. هذه ليست نصيحة نظرية، بل دعوة صادقة من شخص يرى أن النمو الحقيقي يبدأ من الداخل، لا من رصيد البنك. لا يوجد شيء يقاوم التضخم أفضل من زيادة دخلك. طوّر مهاراتك، تعلم مهنة جديدة، وابدأ مشروعًا جانبيًا. دخلك المتزايد هو درعك الواقي.
3. راجع ميزانيتك بعين الناقد:
كن واعيًا لأين تذهب أموالك. ابحث عن بدائل ذكية، قلل من الهدر، ورتّب أولوياتك. واسأل نفسك دائمًا: "هل أنا حقًا بحاجة لهذا؟"
4. نوع مصادر دخلك:
لا تضع كل بيضك في سلة واحدة. ابحث عن مصدر دخل إضافي، ولو كان بسيطًا في البداية. الهدف هو ألا تعتمد على راتب واحد فقط.
من الضحية إلى الربان
في البداية سألنا: لماذا نحتاج إلى فهم التضخم؟ الآن أصبحت الإجابة واضحة.
فهم التضخم يشبه تعلم قراءة خريطة الطقس المالي. لا يمكنك منع العاصفة، لكن معرفتك باقترابها تمكنك من إحضار المظلة، وتأجيل الرحلة غير الضرورية، وحماية منزلك.
التضخم ليس مجرد رقم ممل، إنه القوة الخفية التي تشكل حياتك المالية، من أصغر مشترياتك إلى أكبر أحلامك. فلا تدعه يكون ذلك الغريب الذي يدير شؤونك دون أن تعرف.
اليوم، وأنت تقرأ هذه الكلمات، لديك خياران: إما أن تظل ضحية للتضخم، غافلًا عن تأثيره، تتذمر من الأسعار دون فهم أسبابها، أو أن تتحول إلى ربانٍ لسفينة حياتك المالية، تفهم الرياح والتيارات، وتتخذ القرارات التي تحميك وتنميك.
ابدأ الآن — خطوة واحدة صغيرة. راجع إنفاقك، اقرأ كتابًا عن الاستثمار، خذ دورة تدريبية عن المال، أو فكّر في مهارة يمكنك تطويرها. لا تنتظر. فكل يوم تؤجله، يدفع فيه التضخم الثمن من جيبك.


